ابن الفارض

71

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

( عده ) يعدّه عدّا : أحصاه أي اعتبره ، و ( أعدّه ) يعده إعدادا : هيّأه لوقت الحاجة ، و ( العدّة ) : ما يهيّأ له ، و ( أن ) في ( أن لا ترى ) مخفّفة من المثقلة ، والباء في ( بحيث ) متعلّقة ب ( رفعت ) جواب لو ، ومحل ( الذي أعددته ) نصب باسم ( إنّ ) وخبرها غير ( عدّة ) ، والباء في ( بي ) بمعنى المصاحبة . أي : لو كنت معي دليلا متواضعا منخفضا كخفضة الباء تحت نقطتها صرت مرفوعا إلى منيع جنابي ، ورفيع مآبي ، ونلت من الإرب ما لم [ 82 / ق ] تنله بجهد وحيلة ، بمكان تشاهد فيه أنّ الذي اعتبرته وعددته في عداد الوجود ، لا تراه أي لا تعتدّ به لسقوطه عن درجة الاعتبار ، وأن الذي هيّأته من العلوم والأحوال والأعمال ، وظننته عدّة يتوسل بها إلى ما هو المقصود ليس بعدّة ، وذلك لأن الكاشف بحقيقة الغيب إذا انكشف له قناع الرّيب لا يشاهد ما توهّمه من الوجود ، والصفات بأسرها ؛ إلا ظلالا متلاشية في أشعة سطوع شمس الحقيقة ، فكيف يبقى له برؤية اعتبار وجوده ، وعدّة صفاته ؟ وخصّص ( الخفضة ) بالباء ، لأنها تلازمها جارة وتكون خافضة للزوم خفضها ، والباء صورة الوجود الظاهر المتعيّن المضاف ، كما أن الألف صورة الوجود الباطن العام المطلق ، وقول بعض العارفين : ( ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الباء مكتوبة عليه ) يوافق هذا المعنى ، لأن كل موجود يختصّ بوجود مضاف ، وأوّل موجود أضيفت إليه الوجود المطلق ، هو الروح الأعظم « 1 » الذي هو واسطة التكوين ، ورابطة تعدي الوجود من الواجب إلى الممكن ، وموجب إلصاق المحدث بالقديم ، كما أن الباء ترد لهذه المعاني ، والنقطة الواقعة تحت الباء صورة ذات الممكن ، فكما أن الباء تتعيّن بها ، وتتميّز عن الألف ، فكذلك الوجود المضاف يتعيّن بذات الممكن ويتميّز عن الوجود المطلق ، وقول ابن الأعرابي : ( بالباء ظهر الوجود ، وبالنقطة تميّز العابد من المعبود ) يشير إلى ما قلنا ، وقول الشبلي - رحمه اللّه - : ( أنا النقطة التي تحت الباء ) إشارة إلى أنه نظر إلى نفسه بعين العدم والفناء ؛ لأنّ تلك النقطة لا وجود لها إلّا في ضمن الباء ، وقول الناظم - رحمه اللّه - حكاية عن قول المحبوبة له : ولو كنت بي من نقطة الباء خفضة * أبلغ منه في التذلّل والفناء [ 83 / ق ]

--> ( 1 ) الروح الأعظم : هو العقل الأول ، والحقيقة ، والنفس الواحدة ، وهو أول موجود خلقه اللّه ، والخليفة الأكبر ، والجوهر النوراني ، يسمى باعتبار الجوهرية نفسا واحدة ، وباعتبار النورانية عقلا أولا ، وله في العالم مظاهر وأسماء كالعقل الأول والقلم الأعلى ، والنور ، والنفس الكلّية واللّوح المحفوظ .